توجد ظاهرة نفسية شائعة غالبا ما تتكرر أمامنا، وهي أن الكثير من الأشخاص يقعون في الأخطاء ذاتها مرة بعد أخرى، وكأنهم لا يتعلمون من أخطائهم أبداً، فنندهش ونتساءل: هل هذا غباء؟ أم ماذا؟! في الحقيقة يا صديقي القارئ، الموضوع أعقد بكثير من كونه غباءً، فهذه الظاهرة لها أسباب عديدة ومتداخلة، بعضها جاء من الماضي وبعضها الآخر يتعلق بالحاضر، ولكن قبل البدء بشرح أسبابها ومعالجاتها، دعنا أولا نلقي نظرة على بعض مظاهرها لنلفت انتباهك إليها وتصبح قادرا على تشخيصها في مواقف مختلفة:
طبعا، يبقى العكس صحيحا أيضا، حيث يمكن جدا أن نجد شابا أقلَّ كفاءةً بكثير من شخص كبير في العمر، ولكننا نتحدث هنا عن تلك الفئة من الناس التي تبدو وكأنها لا تتعلم من أخطائها؟. لماذا يكررون الأخطاء نفسها في جانب ما من حياتهم أو أكثر من جانب؟ لماذا نجد مهندسا بارعا يتعلم من أخطائه في الهندسة بسهولة؟ بينما يكرر أخطاءه في مجال العلاقات العاطفية؟ والعلاقات الاجتماعية؟ ولماذا تاجر ناجح يتطور في التجارة ويتعلم من أخطائه؟ لكنه فاشل في توطيد العلاقة مع أبنائه ويعيد تكرار الأخطاء نفسها في تربيتهم؟. لماذا طبيبٌ يتعلم من أخطائه وتتطور خبرته بسرعة؟ بينما طبيب آخر لا يتعلم ويكرر أخطاءه الطبية نفسها؟ وأسئلة أخرى كثيرة جدا.
أولا/ فخ الانحياز التأكيدي: حيث أن عقولنا لا تبحث دائما عن الحقيقة، وإنما تبحث عما يؤكد معتقداتنا الحالية عن أنفسنا والحياة والآخرين، فإذا كان الشخص يعتقد داخليا أنه مثلا "غير محظوظ" فإن عقله سيتجاهل الحادثة تماما ولن يعيد تحليلها وإنما ينسب الحادثة إلى "سوء الحظ" فقط، وبالتالي لا يتعلم شيئا من الحادثة. والذي لديه معتقد أنه "فاشل" ويتم رفضه في وظيفة ما مثلا، فإنه لن يعيد تحليل هذا الرفض بشكل منطقي ويبحث عن الأسباب التي أدت إلى رفضه كالارتباك في المقابلة أو قلة مهاراته أو قدراته مقارنةً بالمتقدمين الآخرين... الخ، وإنما سيعيد الحادثة كلها إلى أنه "فاشل" لا أكثر ولا أقل... وهكذا.
ثانيا/ كيمياء الدماغ ومكافئة الخطأ: يعمل الدماغ أحياناً كآلة "تآمر" ضد مصلحتنا الشخصية بسبب نظام المكافأة الذي يعطي الأولوية للإثارة اللحظية على الأمان بعيد المدى، خاصة حين تضعف كفاءة القشرة الحزامية الأمامية (الرادار المسؤول عن رصد الأخطاء وتعديل السلوك)، مما يحول الخطأ المتكرر إلى مسار عصبي مريح يصعب تجاوزه. ففي حالة الإدمان مثلا، تقوم المواد المخدرة بإفراز كميات هائلة من الدوبامين تجعل المدمن يفضل لذة كيميائية مدمرة على واقع صحي مجهول وصعب، بينما في العلاقات السامة يقع الشخص في فخ "التعزيز المتقطع" حيث يفرز الدماغ مزيجاً من الأوكسيتوسين والدوبامين بعد كل صلح مؤقت يلي الإهانة، مما يجعل العقل يدمن "نشوة النجاة" ويفضل هذا الجحيم المألوف على وحدة مجهولة. أما في المقامرة أو التداول العشوائي، فإن الدماغ يفرز الدوبامين حتى عند "الخسارة الوشيكة" فيما يُعرف بتأثير الربح القريب، مما يخدع العقل ويحفزه على تكرار رهان المال الخاسر لأن الجهاز العصبي يرى الفشل القريب كإشارة للاستمرار وليس للتوقف، وبذلك يصبح تكرار الخطأ نتيجة لبرمجة كيميائية تجعل الدماغ يرى في "المعروف السيئ" مكافأة مضمونة، بينما يخشى بذل الجهد الذهني اللازم للتغيير واكتشاف المجهول الجيد.
ثالثا/ الهروب من الألم: مواجهة الخطأ والاعتراف به تؤدي إلى مشاعر سلبية لدى الانسان (عار – حزن – غضب – دونية -... الخ) وبالتالي يلجأ بعض الناس لعدم محاكمة الخطأ وتحليل السلوك الشخصي، تجنبا لعيش هذه المشاعر، ويفضلون بدلا من ذلك إلقاء اللوم على أمور أخرى (الحظ – التوقيت – الآخرين – الماضي - ... الخ)، وهنا نحرم عقولنا فرصة التعلم من التجارب التي تمر بنا.
رابعا/ قوة العادات: الدماغ البشري يميل لتوفير الطاقة، لذا يحول الأفعال المتكررة إلى عادات تلقائية. فبمجرد أن يترسخ نمط سلوكي معين (مثل الغضب السريع عند مواجهة ضغط)، يصبح من الصعب جداً كسره حتى لو كانت نتائجه كارثية. فالشخص هنا لا يقرر ارتكاب الخطأ، بل "ينزلق" إليه لأن مساراته العصبية مبرمجة على ذلك. الموضوع يشبه قيادة السيارة مثلا، ففي بداية تعلمك لها تحسب حساب كل خطوة، ولكن مع الوقت والممارسة المستمرة، تصبح في وضع آلي، بحيث تقضي مشاويرك الاعتيادية بالسيارة دون أن تتذكر كيف مررت بالطرق أصلا.
خامسا/ عدم الاهتمام للتعلم: التعلم من التجربة ليس عملية تلقائية تحدث بمجرد مرور الوقت أو التعرض لتجارب حياتية، بل هي عملية نشطة تتطلب اهتماما، فالأشخاص الذين لا يخصصون وقتاً للتأمل وتحليل ما حدث (لماذا فعلت ذلك؟ وماذا كانت النتيجة؟ وكيف أتجنبه؟) يبقون محبوسين في تجاربهم دون استخلاص "الحكمة" منها. التجربة بلا تأمل هي مجرد حدث عابر، أما التجربة مع التأمل فهي "خبرة".
سادسا/ الاعتقاد بأن الصفات ثابتة: يعتقد العديد من الأشخاص، بأن صفاتهم وقدراتهم ثابتة ولا تتغير، ولا جدوى من محاولة تغييرها، وهذا يمنعهم حتى من محاولة تحليل الأحداث والتجارب التي تمر بهم. وبالتالي لا يتعلمون من أخطائهم. فهو مثلا يدرك أنه عصبي، أو أن لديه عقدة نفسية ما، ولكنه يعتقد بأن هذا لن يتغير أبدا.
سابعا/ العجز المكتسب: عندما يحاول الإنسان تغيير نفسه أو تغيير علاقته بماضيه أو محيطه، أو تصحيح أخطائه، ويفشل مرات متكررة نتيجة طريقة التغيير الخطأ أو نتيجة ظروف أكبر منه، سيقول مع نفسه (لا فائدة، لن يتغير شيء مهما حاولتُ) وبالتالي يتوقف عن محاولة التغيير حتى لو تغيرت الظروف أو حصل على توجيه مناسب من شخص ما.
ثامنا/ ضيق الأفق بسبب التوتر المزمن: عندما يعيش الإنسان تحت ضغط مادي أو نفسي مستمر، يدخل الدماغ في حالة يمكن أن نسميها "نفق التفكير". فالتوتر يقلل من قدرة القشرة الجبهية (مسؤولة عن المنطق) ويجعل الإنسان يتخذ قرارات مبنية على "البقاء" القصير المدى. فالفقير مثلا قد يتخذ قرارات مالية خطأ تزيد فقره، والمضغوط عاطفياً قد يتخذ قرارات تزيد مشاكله، ليس لنقص في الذكاء، بل لأن الإجهاد استنزف قدرات عقله.
تاسعا/التكرار القهري: يميل الإنسان أحياناً لتكرار تجربة مؤلمة مر بها، مثلا في الطفولة (مثل علاقة مع أب مهمل) من خلال البحث عن شركاء مهملين في الكبر. والهدف اللاواعي: هو محاولة "إصلاح" الماضي عبر تكراره في الحاضر للسيطرة عليه هذه المرة. فهو إذن يكرر الخطأ آملاً في "نهاية مختلفة"، لكنه يظل عالقاً في الدائرة نفسها لأنه يختار الأدوات نفسها.
عاشرا/ نقص المهارات ما وراء المعرفية: بعض الناس ليس لديهم القدرة على مراقبة أفكارهم وسلوكياتهم وفهمها وتحليلها واستنتاج الأخطاء منها، وبالتالي فهو مهما حاول الاستفادة من أخطائه لن يستطيع.
أحد عشر/ التطبع بالبيئة المحيطة: الانسان كائن اجتماعي يتأثر شعوريا ولا شعوريا بمن حوله، وبالتالي عندما يكون الإنسان في بيئة اجتماعية (عائلة – أصدقاء – زملاء - ...الخ) يعملون تلك الأخطاء وبشكل متكرر ولا يرونها أخطاء أصلا، فإنه يعيد تكرار الأخطاء نفسها وفي أحيان كثيرة دون أن يكون واعيا بها، ومن أمثلة ذلك، في بعض الثقافات المؤسسية، يُعتبر "التسويف" أو "سوء الإدارة" نمط حياة؛ هنا، الشخص لا يتعلم ليس لخلل فيه، بل لأن "المعيار" حوله منخفض جداً بحيث لا يحفزه على رصد أخطائه. وكذلك الذي يمضي وقته مع عاطلين العمل، أو مع منحرفين جنسيا، وهكذا.
أستطيع أن أكتب لك قائمة كبيرة بالحلول التي يمكن اتباعها للتخلص من مشكلة "عدم التعلم من الأخطاء" ولكن، هل تعتقد ان عقلك الذي يمرضك بشكل مستمر، يمكن أن يساعدك على الشفاء، أبدا، ولذلك فالحل الوحيد هو أن تستشير متخصصا محترفا بتقديم خدمات الإرشاد أو العلاج النفسي، كي يساعدك باكتشاف أسباب مشكلتك ووضع الحلول المناسبة لها. أنصحك أيضا بقراءة الكتب التالية وتطبيق محتواهم بما يناسب حالتك قدر الإمكان، لو كانت هناك عوائق تمنع وصولك إلى الخدمات النفسية الاحترافية، علما أن قراءة الملخصات لن تكون مفيدة: