الاستشارة الزواجية: علمٌ يُنقذ.. أم أيديولوجيا تُخرب؟ أصبحت الاستشارات الأسرية ضرورة ملحة في وقتنا الحالي، خاصةً وأن المشكلات الزواجية أصبحت أكبر عددا وأكثر تعقيدا وتنوعا مما كانت عليه طوال العقود السابقة، فأصبحنا نرى مشكلات لم نكن نراها تحدث في السابق:
وفي ظل تزايد هذه التأثيرات السلبية ظهر الكثير من المرشدين والموجهين الأسريين الذين يزعمون أنهم قادرون على حل المشكلات التي تعصف بالأزواج، لكنهم في الحقيقة غالبا ما يزيدون الطين بلة، لأن أغلبهم ينتمي لتيارات فكرية معينة، أو يؤمن بأيديولجيات محددة، لها نظرة ضيقة للزواج.
حيث لا ينظرون إلى الزوجين باعتبارهما كيانات إنسانية فريدة، كل منهما له تجاربه الشخصية، وعقده النفسية، وبيئته التي نشأ فيها... بل يرونهما قطعا يجب أن تطابق القالب (الفكر أو الأيديولوجية) الذي يؤمنون به.
المستشار المؤدلج يعطي أحكاما أخلاقية قاطعة غير مرنة: هذا حرام وذلك حلال، هذا عيب وذلك حرية مطلقة، هذا ظلم وذلك رحمة...الخ).
فلو افترضنا أن امرأة اشتكت من سوء تعامل زوجها لمستشارة أسرية تؤمن بالفكر النسوي المتطرف، ستجيبها مباشرةً بأنه ذكر فاشل ويجب أن تجبره على تغيير سلوكه أو تقلل من قيمته ليشعر بوجودها، أو تنفصل عنه، ومن هذا القبيل. ولو افترضنا أن رجلا اشتكى من اهمال زوجته إلى مستشار أسري يؤمن بالفكر الاسلامي المتشدد أو الفكر الذكوري المتطرف، فغالبا سيقول له: إن زوجتك ناشز ويجب أن تعاقبها بشتى الطرق الممكنة وإن لم يتحسن سلوكها فيمكنك تطليقها أو الزواج من امرأة ثانية. وقس على ذلك كل المشكلات الأخرى التي قد تعصف بأي زوجين في عالمنا العربي أو في غيره.
اللجوء لهذا النوع من المستشارين هو أكبر خطأ يمكن أن يرتكبه الإنسان، لأن هؤلاء لا يؤدون إلا إلى خراب البيوت بشكل عاجل أو آجل. لكن لا بد من الإشارة إلى أن اللجوء إليهم قد يكون لا شعوريا في كثير من الأحيان، لأن الإنسان بطبيعته يحب شعور الانتصار، فتجد الزوجة تتابع في السوشيال ميديا مستشارات ومستشارين يؤيدونها ويدعمون آراءها وتوجهاتها، وكذلك الزوج. ويشعر كل منهما بأن الذين يتابعهم يقولون الحقيقة والمنطق، وبالتالي عندما تواجههما مشكلة ما سيلجأ كل منهما إلى المستشار الذي يعطيه شعور الانتصار ويقف بجانبه ضد الطرف الآخر.
الأصح دائما هو اللجوء إلى المستشارين المحايدين المنطقيين، الذين لا يملكون قوالب جاهزة، ولا نظرة مسبقة لأحد الجنسين، وينظرون إلى الزواج باعتباره رابطة إنسانية مقدسة بين جنسين لهما سمات شخصية مختلفة نشأت بفعل اختلاف الجنس والتربية وعوامل أخرى كثيرة، ويرى أن حل كل مشكلة زواجية لا يتم إلا بمناقشتها مناقشة تفصيلية لمعرفة أسبابها ومحفزاتها ووضع الحلول المناسبة لها. فلو اشتكت له امرأة من سوء تعامل زوجها مثلا، سيحاول أن يطرح أسئلة كثيرة، ليفهم عدة أمور:
وسيبقى التعامل نفسه من قبل المستشار مع المشكلات التي قد يطرحها الزوج شاكيا من زوجته.
أخيرا:
لا بد أن يلتفت الجميع إلى أن اختيار المستشار الأسري المناسب، ليست رفاهية، بل ضرورة قصوى، واعتقد بأن الحكومات يجب أن تعمل بجدية على مراقبة الخدمات المتعلقة بالاستشارات الاسرية ومنع المستشارين المؤدلجين من تقديم استشارات، فالاستشارات الأسرية في النهاية تخضع لأسس علمية وليست أيديولوجيات نظرية متطرفة ضد أحد الجنسين.